page.php?8

المقاهي الشعبية بطنجة..فضاءات للفضفضة والتأمل مقهى الحافة نموذجا

ينهض أحد الزبائن متأففا ورافضا لمذاق فنجان القهوة الذي بدأ احتساءه للتو، مناديا على نادل المقهى طالبا منه تغييره بآخر، وهو الأمر الذي يتقبله النادل ببساطة متناهية تشير إلى تعوده على الأمر.
تعدّ هذه الحركة أمرا عاديا في أغلب المقاهي الشعبية بمدينة طنجة، حيث تعدّ الجودة، في القهوة والشاي خصوصا، أمرا شبه مقدّس، ولا يمكن أن يُفرض على الزبون مذاقٌ لا يستسيغه.
تضمّ مدينة طنجة مئات المقاهي التي تناسب مختلف شرائح المجتمع، وترضي كل الأذواق، إلى درجة أن صحيفة “الغارديان” صنفت مجموعة منها من بين أفضل 100 مقهى في العالم ضمن تقريرٍ حديثٍ أورده منبر إعلامي عربي لم يتسنّ لهسبريس التأكد من صحته رغم محاولات البحث الحثيثة.
لكن عموما، فإن المقاهي في طنجة لها تاريخ لا يستهان به، كما لا يستطيع زائر أن ينكر جودة ما تقدمه، سواء على مستوى الذوق وجودة الخدمة، أو على مستوى التصميم الهندسي لبعضها، ولعل الإقبال الكبير عليها يثبت ذلك.
يقول عبادة العمراني الأعرج، فاعل جمعوي، إن جوّ مدينة طنجة، المعتدل على مدار السنة، “يلعب دورا كبيرا في الإقبال الدائم على المقاهي وامتلائها بالزبائن”، مضيفا أن مسألة الذوق لدى ساكنة الشمال، مثل كل مواطني البحر الأبيض المتوسط، “تبقى لها الكلمة الفصل في إجبار المقاهي على الامتثال لمعيار الجودة”.
تتنوع مقاهي طنجة بشكل كبير، فهناك مقاهِ شعبية، وأخرى فاخرة، وثالثة في منزلة بين المنزلتين، إضافة إلى مقاهي المدينة العتيقة التي يبقى لها طابعها الخاص الذي يمزج بين البساطة والفخامة في آن واحد، وغالبيتها تراهن على الجودة كمعيار.
وقد أفرزت هذه الجودة المطلوبة بشدة مجموعة من المصطلحات التي أصبحت ناموسا من نواميس المقاهي، مثل “القهوة معصّرة”، “نصّ نصّ”، “أتاي بزبلو”.. إلخ.
لكن الجودة، في نظر مُحدّثنا عُبادة، لم تعد كما كانت بعد ظهور جيل جديد من المقاهي الفخمة جدا، “التي تقدم خدماتها بأسعار باهظة جدا وبجودة تقلّ يوما بعد يوم”، لكنها، في المقابل، تجمع شخصيات ومسؤولين ممن يفضلون الجلوس بعيدا عن الأعين المتلصصة، كما تعقد فيها صفقات بمختلف أنواعها، وللزبائن فيها مآرب أخرى.
يقول أحد زبائن مقهى فاخر لهسبريس: “فعلا الجودة هنا ليست على ما يرام، لكن انظر معي إلى هذا البحر الذي أمامنا، ألا يستحق مشهد الشمس وهي تغوص فيه أن أصبر على بعض الطعام أو الشراب الرديء؟”.
المقاهي المطلة على البحر أصبحت ملاذا لكثير من الأسر الطنجاوية التي تتجاوز غلاء الأسعار حبّا في مشهد البحر وصوت أمواجه وهي ترتطم بالصخور أو رمل الشاطئ.
وعموما، فإن المقاهي الشعبية تبقى الأكثر إقبالا نظرا لأسعارها المناسبة، ولتواجدها في قلب الأحياء الشعبية أو وسط المدينة، بحيث يسهل الوصول إليها، كما يمكن لزبائنها الجلوس بكل أريحية، سواء طلبوا مشروبا أو لا، ناهيك عن التزامها الشديد بعرض كل مباريات الليغا الإسبانية التي يعشقها الطنجاويون، دون زيادة في ثمن المشروبات.
الخدمات غير المباشرة التي تقدمها مقاهي طنجة تعد ولا تحصى، فهي الملاذ لمن ضاقت به الدنيا بما رحبت، حيث فيها يجدُ الأصدقاءَ الذين يمكن أن يسرّ لهم بما يريد، وبها يلوذ من طاف به الملل لممارسة لعبة “البارتشي” أو “الداما” أو “الدومينو”، ولمَ لا لقاء أحد السماسرة لإنهاء بيع أو شراء.
ولو كان لمقاهي طنجة أن تتحدث لقصّت روايات عن كتاب وفنانين كُثر مروا من هنا وألّفوا كتبا ورسموا لوحات وهم يجلسون داخلها أو على شرفاتها، بل إن الفنان “لويس إدواردو أوطي” أبدع أغنية بعنوان “مقهى الحافة.
                                                                                                                                                                                             عبدالواحد استيتو 




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://alboughaznews.com/news7142.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار

    أكتب الرقم الذي تراه امامك :