page.php?8

الحب الكاذب عن كتاب " يجوز وما لا يجوز في الحياة الزوجية " للعلامة الراحل " عبدالعزيز بن الصديق "

وصلتني رسائل كثيرة من بينها رسالة من سيدة من طنجة تقول في عنوانها ( من إنسانة تريد الرجوع إلى الله تعالى ): إلى فضيلة العلامة عبد العزيز بن الصديق الذي أفاد ويفيد وسيفيد الأمة دائما بعلمه ومعرفته الدينية، ثم قالت: ما أطلبه من حضرتك هو أن تتعمق في فهم كل كلمة سأخطها إليك لأن ذلك مهم بل وفي غاية الأهمية بالنسبة لي وأكثر من ذلك، فإن حياتي كلها أصبحت متوقفة على حل يخرجني مما أنا فيه من قلق، جزاك الله عنا خيرا، وسأحاول لأن أشرح لك مشكلتي بالتلخيص...،
ثم قالت: هذه السيدة الحزينة في التعريف بنفسها: كنت طالبة في قسم الباكالوريا وكنت مستعدة لمتابعة دراستي في الخارج ولم تكن في ذهني فكرة الزواج قط، ولكن ما حدث هو العكس، فقد تقدم رجل لخطبتي، في البداية رفضت رفضا تاما ولكن في المرة الثانية وافقت دون أن أشعر، ربما كان ذلك من تأثير عائلتي، وربما كان ذلك عطفا مني لأنه كان يحبني بجنون فقلت مع نفسي: لماذا لا أتزوج كباقي الناس، وأبني بيتا وأسرة، فالحب الحقيقي دائما يأتي بعد الزواج، ومعاملته وحبه سيجلباني إليه، وسأحبه مع الوقت، خصوصا وأنه سيكون أول رجل في حياتي لأن حياتي السابقة كانت كلها بين الدراسة والبيت، ثم قالت هذه السيدة الحزينة: تمت الخطبة وبعدها الزفاف، وانتقلت مع زوجي من مدينتي إلى مدينته، كنت أحاول بكل ما في وسعي أن أنسجم مع جو جديد عني، ونجحت والحمد لله في مسؤوليتي كزوجة قادرة على المسؤولية والحياة الزوجية ككل، إلا أن المشكلة كانت تكمن في زوجي الذي كان يريد مني أن أنسجم معه في جو كله اختلاط وعدم مراعاة المبادئ التي عشت طول حياتي أحافظ عليها، وزيادة على ذلك كان يشرب الخمر، ومن جهة أخرى فوجئت يوم ( دخلتي ) أنه غير قادر على ممارسة الحياة الجنسية لأنه وكما يقول كان (مثقف ) من طرف إنسانة كانت تريده زوجا لها، الله أعلم،
من كل قلبي أقول لك إنني لم أعطي لهذا الموضوع أهمية كبرى أولا، لأنني كنت أقول أن صبري عليه فيه أجر، وثانيا لم يكن عندي مشكل من تلك الناحية لأنني لم أكن قد مارست ذلك من قبل حتى يكون لي فراغ أو حسرة، ولكن لا أنفي أني كنت أحس بشيء ينقصني وهو يقبلني، رغم هذا كله صبرت وكتمت السر، ولكن ما لا أرضاه هو شرب الخمر، ونسيانه لدينه بصفة نهائية، ثم قالت: السيدة الحزينة إنها فرت من هذا الزوج وذهبت إلى أهلها، وتم الطلاق منه،وصار الكل يعتبرها ( هجالة ) والواقع أنها لا زالت بكرا،
وبعد هذا قالت: مشكلتي بعد الطلاق حيث وجدت بيتا قد تغيرت أحواله، بسبب زوجة أبيها التي خلفت أمها المتوفاة، وكانت مع ذلك تعاملها بأسلوب لا يعرف الحنان والعطف، قالت:وأنا شابة مجروحة بجروح كثيرة: موت أمي، وفشل زواجي، ودراستي التي تخليت عنها رغم تفوقي، ومعاملة زوجة أبي لي، وراء هذا كله إني لست إنسانة عادية بل إنسانة عاطفية جدا وشيء بسيط جدا يؤثر على نفسي، ثم قالت: بعد مرور أشهر على ما حصل قررت أن أشتغل، وتم ذلك فعلا ولم أكن مرتاحة مائة في المائة، ولكنني، والحمد لله أحسن مما كنت، ومشكلة نقص الحنان والحب والعطف ظلت دائما مشكلة بالنسبة لي، إلى أن تعرفت على إنسان من أسرة محترمة، إنسان متدين طيب الأخلاق، تعرفي عليه كان عن طريق العمل لأنه يشتغل في نفس المؤسسة التي أشتغل فيها،
ثم قالت بعد أن ذكرت أن أخلاق هذا الموظف ملكت قلبها وصارت تحبه محبة جنونية إلى درجة أنها رأت فيه العوض عما فقدته من حنان وعطف. الأمر الذي دعاها إلى أن أسلمت إليه نفسها وصارت تضع رأسها في صدره ويضمها إليه مع الحرص على عدم الوقوع في غضب الله وكان يظهر لها نفاق الحب العذري، ويظهر خلاف ما يضمر، ولذلك قالت هذه السيدة المسكينة، التي أظهرت العجز بثقة هذا الرجل غرر بها ولعب بسمعتها وأضاع كرامتها، قالت: ولكن رغم كون هذا الموظف كان يحرص ألا يقع في غضب الله تعالى كان الشيطان أقوى لأن إيماننا ضعيف فكنت أضع رأسي على صدره فأنسى العالم، وأحس أني في راحة كبرى. لم يكن يرض هو بذلك ولكن كان يضمني إليه
عطفا منه، وليس لأنه يريد ذلك فهو له حياته الخاصة، ولا يرغب أن يتزوج بي وهو قال لي ذلك بنفسه حتى لا ألومه فيما بعد.
ثم قالت السيدة التي لعب هذا الموظف بأسلوبه الشيطاني في إظهار الحنان والعطف والمحبة ليقضي وطره، ويصل إلى مراده من هذه المسكينة التي وضعت الثقة فيه وهي راضية غير كارهة ولا معرضة بل فرحة مسرورة بالوصال مع الذي وجدت فيه العوض عما فقدته من حنان وعطف ومحبة، قالت: إلى أن وصل الحال بي أني وكما يقال بالدارجة ( شربت ) منه وأصبحت حاملا وأنا لا أزال بكرا، فحاولت وبكل الطرق أن أزيل الجنين، وتم فعلا ذلك وفقدت بكارتي بطريقة سهلة، ولكن كنت أقول أن كل شيء يهون لأني أحب هذا الشخص، ولا يمكن أن أجلب له المشاكل مهما كان،
بعد أن مررت بهذه الأزمة صارحته بما حصل إلا أني فوجئت أنه تلقى ذلك ببرودة لم يقل لي شيئا ولكن أحسست أنه لم يصدقني، لم أكن أطلب منه شيئا، المقابل الذي كنت أنتظره منه هو أن يحافظ على نفسه وأن لا يغلط هذا الغلط مع إنسانة ما، لأني متأكدة أنها لو كانت أخرى لما تركت ذلك يذهب هباء منثورا ولجلبت له المشاكل وهو في غنى عنها، ثم قالت: ذهبت المبادئ وذهبت الأخلاق في لحظة مليئة بالعنف والقسوة، كنت أبحث عن الحنان والعطف فوجدته عند هذا الإنسان فقذفت بي وبنفسي إلى التهلكة والمعصية، ثم ذكرت هذه السيدة أن هذا الوغد تخلى عنها رغم كونها تظهر له المحبة وصار لا يبتسم في وجهها، مما جعلني أندم على ما صدر مني، وخوفي من الله تعالى، وفي الأخير قالت أرجوك ولأمانتك أن تنشر رسالتي هذه لعلها تكون مشابهة لحياة شخص فلعلها تفيد وتتخذ عبرة، ساعدني في الرجوع إلى الله وأريد أن أتوب، أنتظر مناقشة رسالتي هذه عبر جريدة الخضراء الجديدة، أتمنى أن لا ترمي رسالتي في سلة المهملات وأن تساعدني فالأمر مهم بالنسبة لي...
هذا معظم ما جاء في رسالة هذه السيدة الذي لعب بها الغرور ودخل هذا المتلاعب بشرفها إلى قلبها بما أظهره لها من حب وعطف لا سيما وقد علم من حالها أنها حزينة قلقة في حياتها، فاستغل منها هذه المتاعب النفسية وجعلها طريقة للقضاء على كرامتها وشرفها، وما أظهره لها من حب وعطف – والله العظيم – كله كذب لأن المقرر عند أهل العلم بالحب وأعراضه أن الحب الذي يكون لأجل بلوغ اللذة وقضاء وطر الشهوة ينقضي بل ويموت عند انقضاء الغرض وحصول المطلوب، فمن ودّك لأمر ولى مع انقضاءه، كما حصل من هذا المعتدي الأثيم، فإنه أوقع هذه المسكينة في شركه باسم الحب والعطف والحنان انقض عليها كما ينقض الحيوان على فريسته، فإذا قضى غرضه وأشبع جوعه تركها لمن يأكل الفضلات، والذي فعله هذا الرجل مع هذه المسكينة هو العمل الجاري اليوم بين من يتظاهر بالحب والغرام في المحبوب، لأن الوفاء من حميد الغرائز وكريم الأخلاق، وإنه من أقوى الدلائل على طيب الأصل وشرف العنصر. وأول مراتب الوفاء أن يفي الإنسان لمن يفي له، وهذا فرض لازم وحق واجب على المحب والمحبوب لا يتحول عنه إلا خبيث لا خلاق له ولا خير عنده كما يقول ابن حزم في طوق الحمامة.
وأغلب الناس على هذه الوتيرة، وهذا الخلق الحيواني المتوحش فلو كان هذا الموظف الذي أوقع هذه السيدة في هذه المشكلة العويصة حقيقة من أهل الخير والأصل الطيب، كان يسارع إلى الزواج بها، وهو سلك خلاف هذا بل تنكر لها وصار يقابلها ببرودة كأنه ما فعل شيئا بل أظهر لها أنه لا يصدقها بأنها حملت منه كأنه يراها غير صادقة في حبه، والذي أرى أنا في قصة هذه السيدة أنها بلاغ وإنذار لغيرها وتحذير من الوقوع في مصائد الحب الكاذب.
والمسألة لا تخرج عن أمرين: إذا كان حبا حقيقة فيجب أن يكون الوصال بزواج شرعي على سنة الله ورسوله. فقد قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لم ير للمتحابين مثل النكاح. وإما الابتعاد والحذروالإحتراس ممن يتخذ الحب وسيلة لقضاء الشهوة وقضاء الوطر، ثم بعد ذلك يقول للضحية ( دبر راسك ) والمجتمع اليوم مجتمع منحلا، مائعا لا تربطه رابط الأخلاق الإسلامية والتربية الصالحة، فلذلك صرنا نسمع اليوم وفي كل جهة من بلدنا مثل هذه القصة المحزنة المخزية في آن واحد، ونصيحتي إلى هذه السيدة أن ترجع إلى الله بالتوبة فإنه يقبل التوبة من عباده ويعفو عن السيئات، وتبتعد كليا عن هذا الوغد الذي ضيع مستقبلها لقضاء شهوته، والسبب في هذا كله الخروج عن أمر الله تعالى في الاستقامة والسلوك المستقيم كما قال تعالى:" فليحذر الذين يخالفون عن أمره أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ". فها أنت أيتها السيدة لمخالفتك أمر الله في البعد عن الحرام، وقعت في الفتنة والعذاب النفسي الأليم الذي يبقى ملاحقا لم ما لم ترجعي وتتوبي وتتطهري، والله يحب التوابين ويحب المتطهرين.

عن كتاب " يجوز وما لا يجوز في الحياة الزوجية " للعلامة الراحل " عبدالعزيز بن الصديق "






نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://alboughaznews.com/news611.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار

    أكتب الرقم الذي تراه امامك :