page.php?8
page.php?8

المخدرات القوية تنخر شباب مدن الشمال أمام أعين السلطات المعنية

لا يطالب مدمنو المخدرات القوية بالشمال بأشياء مستحيلة. كل ما يطمحون إليه ھو تغيير نظرة المجتمع القاسية اتجاھھم واعتبارھم ضحايا سقطوا في فخ الإدمان في غفلة منھم، وليسوا مجرم ومواطنين من الدرجة الثانية. لا يھمھم إن ھضمت حقوقھم أو منعوا من الدواء وحقھم في وجود مراكز للعلاج تنقذھم من شبح الموت الذي يترصدھم، لكنھم يأملون أن يفتح أمامھم باب الإقلاع على تناول المخدرات والعودة إلى ممارسة الحياة بشكل طبيعي وبعزيمة وإصرار أكثر من السابق.
لم يكن من السھل اقتحام قلاع الإدمان على المخدرات القوية (الھيروين والكوكايين) بمدن الشمال، وإقناع مدمنين بفتح قلوبھم لـ «الأخبار» من أجل نقل معاناتھم وقصصھم المثيرة حول تجار الإدمان والسجن والأمراض الخطيرة التي تتھدد حياتھم كل لحظة مثل السيدا، والسل، والتھاب الكبد، وأنواع خطيرة من أمراض الحساسية إلى غير ذلك.
كل من التقيناھم من المدمنين، خلال إنجاز ھذا التحقيق، كانت تساورھم شكوك متعددة حول ھويتنا الحقيقية وكيفية استغلال المعلومات التي يمكن أن نصل إليھا في الموضوع، فضلا عن الح الشديد من تتبع خطاھم لمعرفة الجھة التي يجلبون منھا مخدر الھيروين مثلا، أو المكان الذي يتم اختياره من طرف بعض المجموعات لاستھلاك المخدر وفق طقوس خاصة.
تغيير زاوية النظر :
قد يرى بعض الناس مدمنا على المخدرات القوية بأحد الشوارع أو الأحياء فيضطرون إلى تجنبه والابتعاد عنه، مخافة التعرض للسرقة أو الاعتداء عليھم أو ما شابه، لكن الاقتراب من ھذه الف أكثر وكسب ثقتھا يغير زاوية النظر تماما، حيث تكتشف حجم المعاناة القاسية والرغبة الجامحة في تصحيح أخطاء الماضي والعودة إلى عيش حياة طبيعية، إذا توفرت الظروف المناسبة للعلاج وتوفر معھا احتضان المجتمع لھذه الفئة والمساعدة على إعادة إدماجھا، عوض اعتبارھا فئة منتھية الصلاحية لا أمل لھا في المستقبل سوى الاستمرار في طريق الإدمان وانتظار وصول ش الموت ليختطفھا بسبب الإصابة بالأمراض الخطيرة ومضاعفاتھا أو الانتحار بطرق متعددة أو ما شابه ذلك من المآسي الإنسانية.
ساھمت المقاربة الأمنية وتنزيل مصالح ولاية أمن تطوان لاستراتيجية الإدارة العامة للأمن الوطني في محاربة المخدرات بأنواعھا، في التقليص من نسبة انتشار المخدرات القوية(الھيرو والكوكايين) ومحاربة المافيات المسؤولة عن تزويد السوق الشمالية بھذه المواد السامة، لكن تبقى دوما نتائج كل المقاربات التقنية محدودة، في غياب تام للدور الذي يجب أن تلعبه وزارة الصح في توفير كافة الأدوية وتشييد مراكز العلاج، فضلا عن التنسيق بين جميع المؤسسات لإنقاذ فئة المدمنين ومحاولة التحكم في خريطة الإدمان من خلال العمل الميداني، وتكثيف حملات التوع والتحسيس داخل أوساط الشباب والمؤسسات التعليمية بشكل خاص.

فخ التجربة الأولى:
كل من التقاھم طاقم «الأخبار» من المدمنين على المخدرات القوية بمدن عمالة المضيق-الفنيدق أو تطوان يتحدثون عن فخ التجربة الأولى، وكيف تم سقوطھم في براثن الإدمان بمجرد تناول ثلا أو أربع جرعات للتجريب وإشباع الفضول فقط. يقول سعيد (اسم مستعار) أحد الشباب المدمنين بالمضيق والمزداد سنة 1982 ،أن الإدمان على مخدر الھيروين دمر حياته وحولھا إلى جحيم لا يطاق، بحيث لو كتب وعادت عقارب الساعة إ الخلف، ما كان ليجرب تلك الجرعة اللعينة التي تناولھا بأحد أحياء سبتة المحتلة عندما كان رفقة ابن عمته الذي يتاجر في المخدرات القوية.
ويضيف المتحدث نفسه، أنه يستھلك جرعتين من الھيروين يوميا ثمن كل واحدة 70 درھما، لذلك يضطر إلى العمل بمختلف المھن لساعات متواصلة من أجل توفير المبالغ المالية لشراء ما ظ يسميه مرات متعددة خلال حوارنا معه بـ «البلية الكحلة».
يتحسر سعيد عن حياته التي أوشكت على الضياع بسبب الإدمان على المخدرات القوية، ويتساءل بعد تنھيدة عميقة؛(ماذا تعني كلمة(جانكي)، لماذا يطلقون علينا ھذا الاسم القدحي ويحاول الجم تھميش مطالبتنا المؤسسات المسؤولة ووزارة الصحة بتوفير الدواء والعلاج والمساعدة على العودة إلى ممارسة الحياة بشكل طبيعي، فضلا عن تصحيح أخطاء الماضي..؟!.(لست أدري ھل نح مواطنون لنا الحق في العلاج، أم فئة من الدرجة الثانية يجب أن تشكل «جفاف» لكل من يريد استغلال مآسينا ومعاناتنا مع مصيبة الإدمان).
يتدخل زميل لسعيد كان يقف بجانبه ويقول؛(لا أحد يريد الاقتراب منا أو الاستماع إلى معاناتنا مع الإدمان الذي يمكن لأي شاب متھور السقوط في فخه بسبب الطيش أو مصاحبة أصدقاء السوء، حتى الاستدراج من طرف مافيات الاتجار في المخدرات واستھدافھا توسيع دائرة المدمنين لتحقيق أرباح خيالية من خلال ارتفاع الطلب وتزايده..إذا كانت ھناك من رسالة يجب إيصالھا لحكو سعد الدين العثماني الجديدة بشكل مستعجل والحسين الوردي وزير الصحة على وجه الخصوص، ھي توفير العلاج والأدوية والمساعدة على التحكم في انتشار الإدمان بمدن الشمال، لإنقاذ الشبا من ھذه الورطة التي يصعب وصف معاناتھا وتأثيرھا السلبي على العلاقات الاجتماعية والأسرية).
وحسب مصادر مھتمة، فان أعداد المدمنين على المخدرات القوية بمدن الشمال لا يمكن حصرھا، لأن ھناك إكراھات متعددة للإحصاء أھمھا أن بعض العائلات تعتبر الأمر «طابو» وتتستر ع إدمان أبنائھا، فضلا عن غياب جمعيات متخصصة ومراكز علاج يمكنھا تقديم بعض المعطيات الدقيقة حول خريطة الإدمان مثلا بعمالة المضيق-الفنيدق، وعدد المدمنين بكل من مرتيل والفنيد والمضيق.
وتضيف المصادر نفسھا أنه بالمضيق مثلا، يمكن الحديث كتقدير من طرف إحدى الجمعيات المھتمة عن حوالي 200 مدمن على مخدر الھيروين والعدد مرشح للارتفاع، في ظل الغياب ال لحملات التوعية والتحسيس داخل أوساط الشباب، فضلا عن كمية الأدوية غير الكافية تماما مقارنة مع أعداد المدمنين. المصادر ذاتھا تقول إن السياسات العامة والمؤسسات المسؤولة تھمل فئة المدمنين، رغم نداءات الاستغاثة التي يطالبون من خلالھا بمساعدتھم على الإقلاع عن تناول المخدرات وتعويض الجرعات بأدوية يتم تناولھا، في انتظار التماثل للشفاء والعودة إلى عيش حياة طبيعية.
فن وإدمان :
انتظرناه طويلا بالمضيق رفقة مرافقنا، قبل أن يلتحق بمكان وموعد اللقاء، بعد تناوله جرعته اليومية من مخدر الھيروين بمكان مجھول اختار أن لا نتبعه إليه، من أجل استكشافه أو الاطلاع ع بعض الطقوس الخاصة ھناك. ھو شيخ خمسيني متزوج وله أطفال يعلمون بإدمانه على المخدرات بحسبه، لكنھم يكنون له كامل الحب والود والاحترام، ويطالبون الجھات المسؤولة بتوفير الأدوية لمساعدة والدھم على الإقلا والنجاح في العودة إلى ممارسة حياته الطبيعية كما فعل بعض من أصدقائه المدمنين الذين كانوا يعيشون مثل حالته تماما.
يقول الشيخ الخمسيني إنه سقط في فخ الإدمان منذ سنين خلت، والسبب في ذلك ھو غياب فرص العمل بالمدينة والفضاءات التي يمكن أن تصقل المواھب الشبابية وتساھم في تشجيعھا، خاصة كان يملك خلال شبابه موھبتين خاصتين بالعزف على القيثارة، ورياضة الغطس تحت المياه.
ويضيف المتحدث نفسه أن طريق الادمان على مخدر الھيروين يعتبر من أقصر الطرق المؤدية إلى الموت، لأن غياب «البلية» يتسبب في آلام حادة بالجسد كامله وضغط نفسي رھيب، فضلا عن عدم التحكم والسيطرة في السلوكات وإمكانية ارتكاب جرائم بشعة أو الانتحار المفاجىء بالقفز من مكان مرتفع أو حتى الارتماء أمام سيارة أو ما شابه ذلك.
وكشف المتحدث ذاته، أنه يعزف على القيثارة التي أھدته اياھا مھاجرة مغربية مقيمة بالديار الأوروبية، ويبدع في أداء أغاني تتحدث عن معاناة المدمنين ونفور المحيط الأسري والاجتماعي منھ وكأنھم (قذارة) وليسوا مواطنين ضحايا السقوط في فخ تجريب ما ينصح بعدم تجريبه من أنواع المخدرات القوية.
وشدد الشيخ المدمن على أن بعض أصدقائه من المدمنين فارقوا الحياة بسبب إصابتھم بمضاعفات بعض الأمراض الخطيرة في غياب الأدوية والعلاج، رغم النداءات المتكررة التي تطلق الجمعيات المھتمة ودق ناقوس خطر انتشار الإدمان، فضلا عن الصمت المطبق الذي تتعامل به بعض المؤسسات مع الموضوع الذي أصبح يفرض نفسه بقوة على أرض الواقع.
ويحكي الخمسيني عن حلم إقلاعه عن الإدمان وأمل مساعدته من طرف الجميع لتحقيق ذلك بكل ثقة في النفس، قبل دعوته المجتمع إلى عدم الحكم المسبق على ھذه الفئة بالموت والتھمي والإقصاء واللامبالاة، فقط لأنه يوما ما وقعوا في فخ الجرعة الأولى وسقطوا ضحايا مافيات الاتجار في المخدرات بأنواعھا وغياب مراكز علاج الإدمان والمساعدة الاجتماعية.

الإدمان والسيدا :
حسب المعلومات التي حصلت عليھا «الأخبار» خلال إنجاز ھذا الموضوع، فإن مجموعة من المدمنين على المخدرات القوية بالشمال مصابون بأمراض خطيرة أدت إلى وفاة العديد منھم، مثل د فقدان المناعة المكتسبة (السيدا) والتھاب الكبد والسل إلى غير ذلك.
وقال نبيل بنعيسى الفاعل الجمعوي بالمضيق إن على المؤسسات تحمل كامل مسؤوليتھا في إھمال فئة المدمنين بمدن الشمال، وعدم القيام بالإجراءات الخاصة بالفحص والتحاليل الضرور للمساھمة في التحكم في انتشار الأمراض المعدية الخطيرة. وأضاف المتحدث نفسه، أن عمالة المضيق- الفنيدق، أصبحت في حاجة ماسة إلى وجود مركز خاص بعلاج الإدمان تستفيد منه كل من مدن الفنيدق ومرتيل والمضيق، خاصة في ظل ارتفاع نس المدمنين والتضارب في الأرقام بسبب غياب إحصاءات ميدانية دقيقة.
وكشف المتحدث ذاته أن فئة المدمنين لا يمكن أن تدافع عن حقوقھا أو تطالب بھا، لأنھا مغيبة عن الواقع بفعل التخدير وتعيش أوضاعا كارثية بكل المقاييس ومعاناة قاسية مع نظرة المجت وتھميشھا خلال تسطير وإنجاز السياسات العامة، ما يتطلب تنسيق الجھود بين كافة الأصوات والجمعيات المھتمة لإيصال صوت ھؤلاء، وضمان حقھم في العلاج والحصول على الأدوية المساع على الإقلاع عن الإدمان من مثل (ميثادون).
وسبق ونظمت وقفات احتجاجية بالمضيق، رفعت خلالھا شعارات قوية تنادي وزارة الصحة بتوفير الأدوية الضرورية لمعالجة الإدمان بتراب عم المضيق -الفنيدق، فضلا عن ضرورة تشييد مركز خاص بعلاج الإدمان وتجھيزه بكافة المستلزمات الطبية، والتجھيزات المطلوبة للكشف عن الحالات ومتابعتھا من خلال العلاج النفس والعضوي.
المقاربة الأمنية : 
بعد نجاح مصالح ولاية أمن تطوان بشكل كبير في تنزيل الاستراتيجية الخاصة للإدارة العامة للأمن الوطني في محاربة الجريمة بأنواعھا، خاصة الاتجار في المخدرات القوية وأقراص الھلوس تم التضييق على مزودي السوق الشمالية بالمخدرات ومطاردتھم بجميع المدن، حيث تم إلقاء القبض على البعض وتحرير مذكرات بحث وطنية ومحلية في حق آخرين فروا إلى وجھات مختلفة.
أحد المدمنين على مخدر الھيروين قال إن الحرب التي تشنھا السلطات الأمنية أدت إلى ندرة المخدرات القوية، لكن المؤسسات الأخرى الموازية لم تقدم البديل من أجل العلاج، وتركتھم يعيشو آلامھم ومعاناتھم في صمت. وأضاف المتحدث نفسه أن تجار المخدرات القوية نقلوا أنشطتھم إلى أدغال غابات توجد ضواحي تطوان، حيث يقصد كل مدمن المكان من أجل الحصول على جرعته اليومية، وسط تخوفات م تطويق المكان من طرف السلطات الأمنية أو رجال الدرك الملكي واعتقال الجميع من أجل اقتيادھم للتحقيق وتقديمھم إلى العدالة.
وحسب مصدر آخر فإن نجاح محاربة انتشار المخدرات يجب أن توازيه إلى جانب المقاربة الأمنية، مقاربات أخرى تتحمل مسؤوليتھا وزارة الصحة من خلال توفير مراكز العلاج والدواء، فض عن جمعيات المجتمع المدني التي يمكن أن تنسق مع المؤسسات للقيام بمبادرات تساھم في نشر التوعية الضرورية، وتنظيم الأنشطة التحسيسية بأخطار الإدمان على الفرد والمجتمع داخالمؤسسات التعليمية وفي الفضاءات العامة.
ھكذا إذن تعاني فئة المدمنين على المخدرات القوية بالشمال، من خطر الإصابة بالأمراض الفتاكة والنظرة الدونية للمحيط العائلي والاجتماعي، وغياب مراكز العلاج والدواء، في انتظار اھتم السياسات العامة بظاھرة الإدمان، ودق ناقوس خطر انتشاره في أوساط الشباب الذي تستھدفه مافيا الاتجار في المخدرات كي تجعله سجين اللفافات البيضاء المسمومة وزبونا مخلصا لتحق أرباح خيالية.
حسن الخضراوي عن اللأخبار 




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://alboughaznews.com/news5496.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار

    أكتب الرقم الذي تراه امامك :