page.php?8
page.php?8

طنجة.. مظاھر متناقضة بین التمدن و“الترییف“

طنجة، المدینة العریقة التي تحتضن تاریخا قدیما یعود إلى ما قبل المیلاد، وھي ملتقى الحضارات وواحدة من أبرز المدن المطلة على البحر الأبیض المتوسط، أصبحت في السنوات الأخیرة أرض للتضاد، فاخرة ومنفرة، غامضة وساطعة، یمتزج فیھا الغنى الفاحش والفقر المدقع، وتتجاور فیھا الحداثة الأكثر جلاء بالتقلید الأكثر تخلفا. ففي الوقت الذي أضحت فیھ المدینة منصة من الطراز الأول في مجالات النقل والصناعة وقطاع الخدمات اللوجستیة، وأصبحت وجھة مفضلة للإقامة والسیاحة والاستثمار، بفضل الحركة التنمویة المندمجة والأوراش الكبرى والمشاریع المھیكلة، التي أطلقھا جلالة الملك وأعطت دفعة قویة للإقلاع الاقتصادي بالمنطقة، لاسیما مشروع میناء ”طنجة المتوسط“، ومیناء طنجة الترفیھي، والقطار فائق السرعة، نجد أن كل ھذه المجھودات تتكسر على صخرة مشاكل ھیكلیة بسطت سیطرتھا على مختلف مناحي الحیاة بالمدینة، وتصطدم بإشكالیات كثیرة تعیق علیھا السیر قدما إلى تحقیق الھدف المنشود، ما یجعل المدینة عبارة عن نموذجین متضادین من حیث أنماط القیم والسلوكیات والتنظیم والتدبیر... مشاكل طنجة وعیوبھا لا تقتصر على جانب واحد فقط دون الآخر، فھي تتخبط في مشاكل كثیرة یمتزج فیھا الجانب الاقتصادي بالاجتماعي والثقافي، بل وحتى السیاسي، ما دفع بالمجتمع المدني إلى دق ناقوس الخطر إیزاء تشویھ المجال الجمالي للمدینة، وانتشار عدد من مظاھر ”الترییف“، المتجلیة في السكن غیر اللائق، وكذا الأسواق العشوائیة واحتلال الملك العمومي وما یترتب عنھما من مشاكل، بالإضافة إلى غیاب النظافة في بعض الأحیاء التي تشتھر بتربیة الأغنام والدجاج والأرانب فوق السطوح، ناھیك عن ظاھرة التسول بكل أنواعھ وأشكالھ، وھي مظاھر وسلوكات تدمر الحس الجمالي للمدینة، وتنتقل بھا من وضعیات الحیاة المعاصرة والزاھیة، إلى مجرد حاضنة لتفریخ وإنتاج قیم وعلاقات قرویة بامتیاز.
السكن العشوائي تشویھ للمجال الحضري:
إذا كانت مدینة طنجة عرفت خلال العقدین الأخیرین نموا سریعا في مجالات مختلفة، فان ھذا التطور والازدھار الكبیرین لم ینجحا في تحقیق أي قفزة نوعیة في المجال السكاني، بل ساھما في انتشار مظاھر ”الترییف“ وانحلال النسیج الحضري للمدینة، بفعل تسارع وثیرة الھجرة، التي أصبحت جماعیة بالأسر والعائلات، مما ساعد على انتشار السكن العشوائي بكل تجلیاتھ، وساھم في توسیع الھوة بین أحیاء خمسة نجوم، المتركزة بوسط المدینة كالبولفار وكالیفورنیا والرمیلات والمنظر الجمیل وغیرھا...، وبین أحیاء ھشة تفتقر لأبسط متطلبات العیش الكریم، كأحیاء بني مكادة والشوك والسانیة ومسنانة والمرس....، التي لازالت تعیش على تقالید قرویة وتھتم بتربیة الماشیة والدواجن.
احتلال الملك العمومي: قاعدة ولیس استثناء :
ظاھرة احتلال الملك العمومي بطنجة، تعتبر من أھم الإشكالات التي تواجھ تنظیم المجال وتطویره بالمدینة، إذ في الوقت الذي یتساءل فیھ السكان عن الظروف والملابسات التي منحت فیھا السلطات المعنیة تراخیص بفتح العدید من المقاھي والمطاعم الشعبیة في دكاكین لا تتوفر فیھا الشروط القانونیة، یستغرب المرء لصمت السلطات المحلیة عن احتلال أصحاب المقاھي ومحلات الأكلات السریعة والباعة الجائلین للأرصفة المجاورة، دون مراعاة لحیاة المواطنین، الذین أصبحوا یمشون وسط الطریق جنبا إلى جنب مع السیارات والدراجات، بل الأدھى من ذلك أن بعضھم یعتبر أن استغلال الملك العام حقا مشروعا، وقام بضمھ إلى ملكھ الخاص عن طریق بنائھ أو تسییجھ، في غیاب أي المراقبة سواء الإداریة أو القضائیة. یقول أحد النشطاء الجمعویین بالمدینة، أن ظاھرة احتلال الملك العمومي أصبحت قاعد ولم تعد استثناء، مبرزا أنھ بالرغم من تھاطل الشكایات على مختلف المصالح المعنیة، تعمل السلطات بین الفینة والأخرى على تنظیم حملات محتشمة یقوم بھا أعوان السلطة المحلیة ومعھم بعض أفراد القوات المساعدة، الذین یعملون على حجز بعض طاولات وكراسي المقاھي أو سحبھا إلى الخلف، إلا أنھ بعد وقت قصیر تعود الحالة إلى ما كانت علیھ، كما لو أن ھناك اتفاقا سریا بین الجھات المعنیة وأصحاب ھذه المحلات یخول لھم الاستغلال والتملك.
طنجة مدینة التسول بامتیاز :
ظاھرة التسول بطنجة اتخذت، في السنوات الأخیرة، أشكالا جدیدة ومختلفة، فبعد أن كانت مقتصرة على العجزة والنساء واستغلال المعوقین وبراءة الأطفال، تحولت بشكل مریب لتشمل مئات من المھاجرین الأفارقة الشرعیین وغیر الشرعیین، الذین حلوا بالمدینة من دول إفریقیة مختلفة واستقروا بھا في انتظار تحقیق حلم العبور إلى أوروبا، بالإضافة إلى عشرات من النساء السوریات، اللواتي وجدن من التسول مھنة ووسیلة لسد جوعھم واحتیاجاتھم الیومیة. فبعد أن كان أغلب الأفارقة یعملون في بیع الھواتف النقالة والعطور والنظارات الشمسیة على الأرصفة، صار البعض منھم الآن یمتھن التسول بشتى الطرق وبمختلف الأسالیب، حیث تجدھم منتشرین في الطرقات والشوارع وممرات الأزقة، ومحطات النقل والمحالات التجاریة الكبرى وبالأماكن التي یرتادھا السیاح والزوار، وھو ما أصبح یمثل معضلة اجتماعیة حقیقیة.
أسواق قرویة بقلب المدینة:
إن الأسواق الشعبیة غیر المھیكلة، التي تنتشر بالأحیاء الشعبیة وتحتضن مئات من الباعة المتجولون، تجسد ظاھرة ”الترییف“ بكل ما للمعنى من كلمة، خصوصا عندما تجد كل الشوارع والأزقة ممتلئة عن آخرھا بأكواخ من القصدیر القدیم والخشب أو ”نولات“ مغطاة بالورق البلاستیكي المقوى، تعرض بھا جمیع أنواع الخضر والفواكھ وحتى المتلاشیات، التي عفنت الدنیا وباتت تحت رحمة الغرباء واللصوص وأصحاب السوابق، الذین یدخلون یوما في مشادات وتلاسنات ومعارك تنتھي أغلبھا بمقرات الشرطة والمستشفیات.
م / ر 




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://alboughaznews.com/news5471.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار

    أكتب الرقم الذي تراه امامك :