page.php?8
page.php?8

النقل في طنجة.. الراكب مفقود والنازل مولود

عندما تعاقدت جماعة طنجة في عهد المجلس المسير السابق، مع الشركة الاسبانية “ألزا”، سنة 2014، لتدبير خدمات النقل الحضري، علق سكان المدينة آمالا كبيرة على الشركة الجديدة، تحسين جودة خدمة النقل العمومي في عاصمة البوغاز، خاصة بعد الأداء الجيد الذي قدمته خلال الفترة الانتقالية التي دامت ستة أشهر، لكن مع توالي الأيام والشهور منذ دخولها حيز الخدمة بشكل رسمي، ارتفعت شكاوى المواطنين بشأن مجموعة من المشاكل المؤرقة، مثل “الاكتظاظ” و “التأخر عن الموعد”، بشكل أصبح يذكر الطنجاويين بجحيم معاناتهم مع الشركة الاسبانية السابقة، والتي غادرت على وقع احتجاجات قوية، نتيجة سوء خدماتها ورداءة حافلاتها.
“زد أخاي شوية لقدام، زيد راه ما زال الناس فالباب خصهوم يطلعوا”، بهذا النداء يلتمس مراقب الحافلة الواقف بجانب السائق، أن يتزاحموا فيما بينهم داخل الحافلة ذات الحجم الصغير “ميني باص”، لكي يفسحوا المجال لركاب آخرين ينتظرون بمحطة التوقف الموالية، يرد عليه أحد الركاب بنبرة ساخرة، وهو بالكاد يقف على أنامل قدميه وسط الزحام، ممسكا بالعمود الحديدي المثبت بشكل أفقي في أعلى سقف الحافلة، “فين غادي نزيدو واش نطلعو للسطح؟”
ثم تعلو قهقهة الركاب مع تعليقات متفاعلة، بين من يطالب بالصبر والمزيد من التزاحم، لكي تستوعب الحافلة جميع المسافرين، وبين معترض على السائق الذي يسعى على ما يبدو، لتعبئة الحافلة بأكثر من طاقة حمولتها، وأمام اندلاع صخب الركاب وجلبة المعلقين، يغلق السائق باب الحافلة ثم يضغط على الدواسة، واضعا حدا للقيل والقال، بينما تنطلق النافلة نافثة دخانها، تاركة عدة أشخاص في الخارج لم يجدوا لهم موطأ قدم داخلها، حكم عليهم أن ينتظروا الرحلة الموالية، التي لا لن تأتي إلا بعد 30 دقيقة، على الأقل.
 120  راكب في “ميني باص” :
المشهد المذكور، يكاد يتكرر بشكل يومي باستثناء أيام العطل الدراسية، ويحدث أمام أنظار مراقبي الشركة المفوضة، ومسؤولي مجلس المدينة والمقاطعات، وفق ما أكده (م – ب)، سائق الخط رقم 4 الرابط بين شارع “سيدي بوعبيد”، و حي “الرهراه”، مشيرا إلى أن عدد الركاب في وقت الذروة يصل إلى 120 فردا، تبتلعهم حافلة الحجم الصغير “ميني باص”، في رحلة واحدة. يؤكد المتحدث، والتعجب يعلو وجهه.
ثم يسترسل موضحا: “صحيح أن هذا العدد كبير جداً وأكبر من الطاقة الاستعابية للحافلة، لكن نجد أنفسنا مضطرين لنقل الجميع، خاصة وأن أغلب الركاب هم من تلاميذ المدارس، والمستخدمين، الذين يجب أن يصلوا إلى وجهتهم في الموعد المحدد.
وبالمقارنة مع أحياء أخرى، فإن ساكنة حي “الرهراه” محظوظون بحافلتين فقط من الحجم الصغير، مقارنة مع معاناة ساكنة أحياء أخرى، داخل المجال الحضري لمدينة طنجة، كما هو الحال بالنسبة لحي المجاهدين، وطنجة البالية، والسانية، بئر الشيفا، العوامة، امغوغة الصغيرة، وغيرها من الأحياء ذات الكثافة السكانية المرتفعة، غير أن عدد الحافلات المخصصة لها، لا تؤمن الطلب المرتفع على خدمة النقل الحضري، كما أن لا تتوفر على خدمة سيارات الأجرة ذات الصنف الكبير، تصل بين الأحياء المذكورة، ومركز المدينة، ومحاورها الأساسية.
أما بالنسبة لوضعية خدمة النقل لشركة ألزا، التي تربط مدينة طنجة بالجماعات القروية التسعة، إضافة إلى مدينتي أصيلة جنوبا والقصر الصغير شرقا، فتتفاوت جودة الخدمة ما بين خط وآخر، فبينما يوجد خصاص كبير بالنسبة لعدد الحافلات بجماعة “حجر النحل” و “حد الغربية”، تتوفر جماعة اكزناية على عدد مقبول من الحافلات، إلا أن مسارها لا يمر عبر نقط مهمة داخل مدينة طنجة، مثل جامعة عبد المالك السعدي، ومستشفى محمد الخامس.
أزيد من 100 ألف راكب يوميا :
يتراوح عدد المسافرين الذين يستقلون، حافلات شركة ألزا للنقل الحضري بمدينة طنجة، ما بين 85 و 115 ألف راكب، يومياً، وفق معطيات احصائية رسمية، حصل عليها “اليوم 24″، إذ يتفاوت إجمالي عدد الركاب بين أيام الأسبوع الأولى وبين أيام السبت والأحد، كما يختلف عدد الركاب بين رحلات اليوم، إذ يبلغ الاقبال على الحافلات ذروته في الساعات الأولى من الصباح، وفي منتصف اليوم إلى ما بعد الزوال، ويستمر من الساعة السادسة مساءا، إلى وقت نهاية الخدمة في التاسعة ليلا، الذي يظل حسب بعض المتتبعين وقتا مبكرا لوقف حركة التنقل لخدمة النقل الحضري.
لكن هذا الرقم الكبير لعدد مستعملي حافلات النقل الحضري، لا ينعكس على جودة خدمات الشركة وعدد أسطولها، وفي هذا الصدد أوضح حسن الحداد، نائب رئيس رابطة الدفاع عن حقوق المستهلك، أن عقد التدبير المفوض لم يأخذ بعين الاعتبار مجموعة من التحولات التي تشهدها عاصمة البوغاز، ففي الوقت الذي تعرف المدينة تنامياً سكانياً، وتوسعاً عمرانياً متزايداً، فإن حجم الأسطول ونوعية الحافلات المجهزة للخدمة، الذي تم الاتفاق عليه في العقد المبرم بين الطرفين، لم يستجب لحاجيات الطلب المتزايد على النقل العمومي، وسجل الحداد، عدم التزام شركة ألزا فيما يتعلق بمجموعة من الخدمات، منها عدم توفير محطات الانتظار في جل شوارع المدينة، عداحترام المقاعد المخصصة لذوي الاحتياجات الخاصة، والنساء الحوامل، بسبب الاكتظاظ، وتقليص الرحلات من دون إشعار، والتركيز على الخطوط المربحة.
 تدهور الحالة الميكانيكية :
بالرغم من أن أسطول شركة ألز يعد حديث، وينتمي للجيل الجديد منحافلات النقل الحضري، إلا أن الحالة الميكانيكية لبعض الحافلات أكثر من علامات استفهام، فبعدما كانت معايير الجودة تخطف الأنظار، في الأيام الأولى لشروع الشركة في العمل، أصبحت في الأونة الأخيرة لا يكاد يمر يوم دون أن تعرض حافلة ركابها في منتصف الطريق، يقول أنوار العيادي، تلميذ بثانوية مولاي سليمان، لـ “اليوم 24″، “إن الحافلة التي تربط بين «بني واسين» و «المجاهدين» كثيراً ما تتركنا في عرض الطريق، فلا نحن نصل إلى وجهتنا، ولا نحن بالقرب من محطات وسائل نقل أخرى”، وهكذا نظل “معلقين لساعة أو أكثر في انتظار وصول حافلة احتياطية”، وكم مرة وصلت متأخرا إلى المدرسة، وقد فاتتني حصص كثيرة أجد صعوبة في تعويضها، وبما أن الإدارة لا تلتمس الأعذار، فإن كثيرا من التلاميذ يضطرون إلى ترك مقاعد الدراسة، تفاديا للإحراج المتكرر مع الأساتذة.
تقطع كلام التلميذ المتحدث، سيدة تبدو في الثلاثين من عمرها، وقد انخرطت في النقاش معنا حول مشاكل النقل الحضري، مقدمة نصيحة ذهبية على حد قولها، “إذا كنت تريد أن تصل إلى وجهتك في الموعد المحدد، فلا تراهن على أن تستقل الحافلة، فليس مضمونا أن تصل بك إلى نهاية الرحلة”، تضيف المتحدثة، “وضعية الحافلات كانت جيدة جدا، قبل سنتين مع بداية الخدمة، لكن حالتها الميكانيكية، بدأت تتدهور إلى مستوى سيئ في الآونة الأخيرة، حيث أصبحت محركاتها تصدر هديرا صمماً.
لكن أحد المسؤولين من شركة “ألزا”، قلل من شأن هذا الوصف، وقال في حديث مع “اليوم 24″، إن الوضعية لا ترقى إلى مستوى التعميم المذكور، موضحاً أن الشركة تحرص على توفير أجواء الراحة لزبناءها، إلا أن المشكل المذكور يتعلق بحافلات معينة، والتي تجوب مسارات طرقية متردية، تملأها الحفر الخطيرة والمطبات العشوائية، إضافة إلى أن أشغال إعادة تأهيل البنية التحتية، ما إن تنتهي في شارع حتى تبدأ في آخر، زيادة إلى كل ذلك، فإن مدينة طنجة تتميز بتضاريس جبلية ومرتفعات وعرة، وبالطبع فإن هذه العوامل ستؤثر بكل تأكيد على الحالة الميكانيكية للحافلات، بالرغم من خضوعها لأشغال الصيانة والتشحيم داخل مدة معقولة.
تحايل الشركة على عقد التدبير :
من بين 140 حافلة تشكل مجموع أسطول النقل الحضري، توجد حوالي 40 حافلة من الصنف الصغير، “ميني باص”، حسب المعطيات التي استقها “اليوم 24″، من مصادر مهنية في شركة “ألزا”، موضحةً أن العدد الإجمالي للأسطول بالكاد يمكن من تغطية حاجيات خدمة النقل بين مختلف خطوط المدينة، غير أن إدارة الشركة تحتفظ بحوالي 15 حافلة للطوارئ وخدمات داخلية، مما يعني أن عدد الحافلات التي تلبي الخدمة اليومية لا تتجاوز 125 حافلة، وبالتالي فإن الحصيلة الإجمالية التي تشتغل بها الشركة، هي أقل من العدد المتفق عليه في العقد بينها، وبين السلطة المفوضة.
وليس هذا فحسب، بل إن إدارة العمليات في شركة ألزا تقوم في كثير من الأحيان بنقص حافلة أو أكثر من بعض الخطوط، ذات الوتيرة “المتوسطة”، مثل خط حي المجاهدين، المنار – كسبرطا، ومرشان – السانية، وبوبانة والرهراه – سيدي بوعبيد، وادرادب – الحي الجامعي، وتعوض بها الخصاص المفاجئ في خطوط أخرى، خاصة في حالة وقوع إحدى الحافلات في عطب ميكانيكي، في الاتجاهات الحيوية، مثل طنجة بالية – الحي الجامعي، ومحطة القطار – جامعة عبد المالك السعدي، وإيبيريا – العوامة، وادرادب – المحطة الصناعية، علما أن الشركة لا تتوفر على تقنية لإشعار الزبناء في مثل هذه الحالات، وهكذا يظل المواطن في انتظار حافلة قد تأتي أو لا تأتي في الموعد، في غياب محطات للوقوف والانتظار.
انتعاش النقل السري :
أمام الخصاص الحاصل في أسطول حافلات النقل الحضري، في مدينة مليونية بحجم طنجة، تجد وسائل النقل السري في الأزمة أرضية خصبة لانتعاش خدمتها، إذ يشكل النقص الحاصل في الخطوط ذات الحركية المرتفعة، فرصة ذهبية للخطافة لمنافسة الشركة الإسبانية، ويرتفع الطلب على خدمة المواصلات بشكل أكبر في فصل الصيف، حيث تتحول المدينة إلى وجهة سياحية، عندها تقوم شركة ألزا بتحيين شبكة خطوطها، حيث تقلص عدد الحافلات في عدد من الأحياء، وتعزز الرحلات المتجهة إلى الشواطئ.
ولئن كانت وسائل النقل السري، تساهم في تخفيف الضغط المتزايد على وسائل النقل العمومي، الذي أصبح لا يفي بالغرض، حيث أصبحت سيارات الخواص وحافلات النقل المزدوج للنقل السري، تجوب مختلف أحياء عاصمة البوغاز، إلا أن خدماتها لا تخلو من مخاطر وتجاوزات غير قانونية، تهدد سلامة المسافرين، ويتذكر الشارع الطنجاوي حوادث خطيرة كان “الخطافة” سبباً مباشراً في وقوعها، لعل أبرزها حادثة سحل شرطي مرور من طرف سائق حافلة النقل المزدوج، والذي عرض حياة الركاب للخطر أثناء هروبه من التوقف لشرطي المرور، قبل أن تتحول العملية إلى مطاردة هوليودية، انتهت بمقتل رجل الأمن، واعتقال السائق الذي حكم عليه بـ 20 سنة سجنا نافذاً.
تدابير استعجالية لتجاوز الأزمة : 
أمام مشكل الخصاص في الأسطول، والذي يحول دون تغطية مختلف المناطق والاتجاهات بمدينة طنجة، قامت جماعة طنجة بمراجعة جزئية لشبكة توزيع خطوط الاتجاهات، على نحو تقليص مسافة بعض الخطوط الطويلة، من أجل رفع نسبة تردد رحلات الذهاب والإياب، وتخفيض مدة الانتظار بين رحلة والأخرى الموالية، حسب ما أوضحه، عبد الرحيم الرويشي، المكلف بتتبع مرفق النقل الحضري، عن السلطة المفوضة، مشيرا إلى أن هذا الإجراء مكن من توفير بعض الحافلات لخطوط جديدة لم تكن من قبل، وبالتالي أصبح المسافر بإمكانه التنقل عبر حافلتين في اتجاهين مختلفين، بثمن الرحلة الواحدة، (3,50 درهم)، بعد تفعيل بطاقة اشتراك الزبناء “إخلاص”.
وأضاف الرويشي، في تصريح لـ “اليوم 24″، أن السلطة المفوضة لم يكن لها خيار آخر غير هذه الوسيلة، أولا لأن المكتب الحالي ليس هو من تعاقد مع الشركة، وإنما دخل على تدبير مرفق النقل الحضري، بناء على ما خلفه المكتب المسير السابق للجماعة، بحيث تضمن العقد المبرم مع الشركة أسطولا مختلطا يضم الحافلات ذات الحجم الكبير، والصنف الصغير، وهو البند الذي اعترضنا عليه في المرحلة المقبلة لتعزيز الأسطول.
وثانياً لأن شركة “ألزا”، استوفت إجمالي عدد الحافلات المتفق عليه في عقد الشراكة، إذ تتوفر حاليا على 141 حافلة، وستعمل على زيادة تسعة وحدات أخرى شهر مارس المقبل، لتصل إلى 150 حافلة، لكن هذا العدد يظل غير كافياً بالنسبة لساكنة مدينة طنجة التي تعرف تزايدا سكانيا، وتوسع عمرانيا، علما أن مدينة مراكش وأكادير، التي توجد بها نفس الشركة، تتوفران على أسطول أكبر، إذ تتوفر أكادير على 240 حافلة، ومراكش 200 حافلة، بالرغم من أن عدد المسافرين متقارب بين المدن الثلاثة. وفي هذا السياق، كشف المسؤول الجماعي، بأن السلطة المفوضة مقبلة على محطة جديدة لمراجعة عقد الاتفاقية بين الجماعة وشركة ألزا، وذلك في غضون منتصف السنة الحالية، مبرزا أن من بين الجوانب التي سيتم مراجعتها، توسيع شبكة خطوط الحافلات، وذلك عبر تعزيز الأسطول بشكل أكبر، الذي ينبغي أن يصل إلى 200 حافلة على الأقل، لتغطية حاجيات الطلب المتزايد على خدمة النقل الحضري، مع الحفاظ على نفس تسعيرة الرحلات، بالرغم من أن إضافة أي خط جديد يكلف مصاريف جديدة للجماعة، إذ أن بعض الخطوط تصل تكلفتها إلى 100 مليون سنتيم سنويا.
                                                                                                                                                                                                                       عبدالرحيم بلشقار 




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://alboughaznews.com/news4505.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار

    أكتب الرقم الذي تراه امامك :