page.php?8
page.php?8

طنجة تتحول إلى ”مدينة هيروين“ والإدمان يطال القاصرين

لم يعد مخدر «الحشيش» في مدينة طنجة فقط ما يؤرق بال هيئات المجتمع المدني العاملة في مجال الوقاية من المخدرات والتقليص من مخاطرها، ولا هدفا رئيسا للتدخلات البوليسية في إطار مكافحة جريمة ترويج واستهلاك المخدرات، بعد الانتشار الواسع لأصناف خطيرة من أنواع المخدرات الصلبة، مثل «إكسطاسي» و«إمديما» و«الكوكايين» و«الهيروين»، حيث بات هذا الأخير، الذي يطلق عليه محليا «الغبرة الكحلة»، أكثر الأنواع المخدرة تداولا في سوق العرض والطلب مقابل أسعار بخسة، ما جعل استهلاكه شائعا بين البالغين والقاصرين والصغار في عاصمة البوغاز.
الساعة تشير إلى العاشرة صباحا بحي «بئر الشفاء» الذي تحول أخيرا إلى قبلة للراغبين في الشفاء من داء ليس يسير الدواء.
عشرات الأشخاص من مختلف الأعمار، بينهم قاصرون لم يتجاوزوا ستة عشر ربيعا، يتقاطرون تباعا على بوابة مركز طب الإدمان، الذي يضم قطبا طبيا تابعا لوزارة الصحة، وقطبا للمراقبة الاجتماعية والتقليص من المخاطر، تشرف عليه جمعية «حسنونة لمساندة متعاطيي المخدرات»، التي اعتاد أطرها استقبال أفواج الباحثين عن العلاج من «الهيروين» كل يوم. 1800 مدمن في لائحة الانتظار في طوابير غير منتظمة يصطفون أمام بوابة المركز، ثم يبدأ حارس أمن خاص في تنظيم عملية الولوج، ينادي أولا الأشخاص المسجلين في لوائح المستفيدين من برامج العلاج، فيشرعون في الدخول تباعا، إلى أن يظل بضعة أفراد يبدو أنهم قدموا لأول مرة إلى المركز، والذين تستقبلهم مؤطرات الجمعية لأخذ أسمائهم، وتسجيلهم في لائحة الانتظار التي تعدت 1800 مدمن على أخطر صنف من المخدرات الصلبة، وفيما يستفيد نحو 800 شخص من برامج العلاج، فإن المركز يعمل على إدماج 6 حالات جديدة كل يوم، حسب ما صرحت به مسؤولة بالمركز الصحي حسنونة.
وتشير إحصائيات رسمية تتوفر عليها جمعية حسنونة لمساندة متعاطيي المخدرات، إلى أن أزيد من 4 آلاف شخص يتعاطون مخدر الهيروين في مدينة طنجة، بينهم نحو 3 آلاف مدمن عن طريق الحقن والتدخين والشم، في حين يوجد أزيد من 200 متعا ٍط بمدينةأصيلة، و250 في العرائش والقصر الكبير، وأزيد من 3 آلاف في الناظور والحسيمة.
وحسب فوزية بوزيتون، مديرة جمعية حسنونة، فإن 200 شخص مدمن على الهيروين ينحدرون من حي واحد في طنجة، يستفيدون خمس مرات في اليوم من علاج بالدواء البديل «الميثادون»، مبرزة أن نسبة كبيرة منهم مصابة بأمراض خطيرة، مثل داء فقدان المناعة المكتسبة «السيدا»، أو التهاب «الفيروس الكبدي سي»، خاصة المدمنين الذين يتعاطون عن طريق تبادل الحقن بشكل جماعي. مصدر آخر من مركز حسنونة لمحاربة الإدمان، الكائن بحي ادرادب، التمس عدم ذكر اسمه، قال لـ«اليوم 24 «إن الأرقام المعلنة تبقى غير دقيقة وبعيدة عن الواقع، إذ إن خريطة استهلاك وتعاطي «الهيروين» تعرف تناميا يوما بعد آخر، ويكفي القيام بزيارة لأبواب المحاكم ومراكز الشرطة، لمعرفة حجم الجرائم المرتبطة بهذا الصنف من المخدرات، فضلا عن العشرات الذين يتوافدون يوميا على مركزي «ادرادب» و«بئر الشفاء»، أو العيادات الخاصة، طلبا للعلاج والمساعدة على الإقلاع عن الإدمان، يضيف المتحدث. طقوس خاصة وهواجس مشتركة للمدمنين على الهيروين أو الكوكايين، أو هما معا، طقوس خاصة تجعلهم يبتعدون عن أعين الناس، ويختبئون في منزل مهجور يسمى في قاموسهم «الخربة».
وحسب ما يحكيه بلال (24 سنة( عن تجربته التي تناهز ست سنوات من الإدمان على مخدر الهيروين، فإن أول ما يقوم به المدمن بعد استيقاظه من النوم هو البحث عن «البزناز» (بائع المخدرات) لاقتناء كمية حسب ما يسمح به المال الذي في جيبه، ثم يلتقي المدمنون في «الخربة»، حيث يتحلقون حول البضاعة التي يحولونها إلى لفائف قابلة للتدخين، أو سوائل قابلة للحقن، ويجلسون القرفصاء، ثم يشرع كل واحد منهم في تناول الجرعات كل حسب طريقته الخاصة.
وبعدما يستهلكون عدة جرعات يستسلمون للتخدير الذي يستبد بجسدهم ­يضيف بلال­ ثم يبدؤون في تقييم جودة المنتوج الذي يطلقون عليه «السخرة»، وهل كان ذا مفعول قوي أم خفيف؟ ويخبرون بعضهم البعض عن الأمكنة التي اشترى منها كل واحد منهم المخدر، الذي تتفاوت كمياته من تاجر إلى آخر، حسب ما صرح به بلال. وبعد ذلك يبدأ الجمع بالانصراف تباعا كل إلى حال سبيله، إذ في الغالب تكون وجهة كل واحد البحث عن المال من أجل اقتناء كميات جديدة، لفترة المساء أو اليوم الموالي، وهكذا تنحصر حياة المدمن في هذا المثلث، يقول بلال الذي قطع أشواطا كبيرة في مرحلة العلاج بدواء «الميثادون».
وحسب بلا، فإن ظروف السقوط في شرك الإدمان تختلف من شخص لآخر، منهم من دفعته الظروف الاجتماعية الصعبة إلى ولوج عالم المخدرات من باب التجارة، طمعا في اغتناء سريع، وآخرون دفعهم التفكك الأسري إلى مغادرة المنزل في سن مبكرة، ما جعلهم فريسة سهلة في أيدي المروجين، فيما كانت «الحرية الزائدة» «والدلال المفرط» وسط الأسرة وقلة المراقبة، عاملا رئيسا للبعض الآخر في ولوج طريق الانحراف، كما أن وفرة عرض الكوكايين والهيروين، على الخصوص بالأحياء الشعبية، كما هو الحال في «أرض الدولة» و«مبروك» و«بن ديبان» و«المصلى»، جعلتها في متناول الصغار والكبار ممن لهم استعداد لتعاطي المخدرات القوية.
من تاجر إلى مدمن  : 
فيصل (31 سنة) واحد من الذين خرجوا من حالة الإدمان منذ شهور، بعد استفادته من برنامج الدواء البديل في المركز الصحي «بئر الشفاء»، قال إنه بدأ يتعاطى الهيروين منذ أن كان عمره 16 سنة، بعدما كان في البداية تاجرا بالتقسيط لمخدر «الكوكايين»، لحساب شخص آخر بحي «امحباكو» يلقب بـ«الإمبراطور». «كان هدفي أن أجمع مالا كثيرا وأمتلك شققا وسيارات فارهة، كالتي يتبجح بها تجار هذه البضاعة، غير أن وفرة كميات المخدرات بين يدي، دفعتني لتذوقها بغرض الفضول والاستطلاع، لكنها كانت بداية دخولي نفقا طويلا في عالم الإدمان، استمر أزيد من 13 سنة».
وأضاف فيصل لـ«اليوم 24 «أنه انتقل من استهلاك «الكوكايين» إلى «الهيروين» لأن سعر الأخير رخيص ومتوفر في السوق بشكل كبير، مشيرا إلى أنه خسر كل رأسماله، وبدأ يسرق ممتلكات أسرته وأغراض إخوته من أجل توفير المال لشراء الهيروين، حيث يتراوح معدل استهلاكه اليومي ما بين «بورصتين» وسبع «بورصات»، الأمر الذي دفع والده إلى طرده من البيت، خاصة بعدما بدأ يعترض سبيل الناس ويسرق ممتلكاتهم، ما جعله يقضي عقوبة سجنية مرتين.
قصة مماثلة تحدث عنها أيمن، البالغ من العمر 30 عاما، حيث بدأ هو الآخر حياته تاجرا في المخدرات الصلبة بعدما تعرف على مروجين مغاربة من مدينة سبتة، والذين استغلوا صغر سنه، إذ كان لا يتجاوز 17 عاما، عندما بدأ يتوصل بكميات من الكوكايين والهيروين من أجل بيعها لزبناء يترددون على منزل في ملكيته بمارتيل، حوله إلى ملهى ليلي، كانت تأتي إليه شخصيات نافذة من مارتيل وتطوان، الأمر الذي جعله في مأمن عن مداهمات رجال الشرطة، حسب كلامه. وتابع أيمن، الذي بدأ منذ مدة قصيرة برنامج علاجه بمركز طب الإدمان، قائلا إنه لم يكن يظن أن «هناك أشخاصا يدفعون الناس إلى التهلكة، مثل ما حصل معي قبل سقوطي في شراك الإدمان»، مضيفا أن أحد أصدقائه ممن كانوا يترددون عليه في منزله، شجعه على تذوق مخدر «الهيروين»، غير أنه تحول بعد ذلك إلى باحث عن «النشوة الزائفة» التي أحس بها أول مرة يتناول فيها المخدر، إلى أن خسر كل ماله وممتلكاته قبل أن يقرر وضع حد لمأساته، لكن دون جدوى، معتبرا أن مدمن الهيروين ينتهي به المطاف إما في السجن أو المستشفى أو الموت، بسبب الجرعات الزائدة.
التفكير في الانتحار القاسم المشترك!
«يدبرو لنا على حل أو يقتلونا»، هكذا قالت سعيدة وهي تتحدث إلى «اليوم 24 «عن تجربتها بين براثين الإدمان التي دامت زهاء 27 سنة، قبل أن تبدأ في برنامج العلاج منذ افتتاح مركز طب الإدمان «بئر الشفا»، في يوليوز 2015 ،واسترسلت قائلة بحسرة وألم باديين على وجهها: «إذا كان الناس في سوريا يموتون ويذهبون لمصيرهم الأخروي، فإننا نحيا ونموت يوميا من ألم أعراض انسحاب المخدر من أجسامنا، حيث نجد أنفسنا بين نار العودة إلى التعاطي لإطفاء حالة الهيجان التي تنتابنا، وبين وصم المجتمع الذي لا يرحم وضعيتنا المزرية، إضافة إلى غياب حضن نلجأ إليه. كلها عوامل جعلتني أقدم على الانتحار في عدة مرات»، تقول سعيدة التي استعادت شيئا من حسنها بعد إقلاعها عن الإدمان. وسعيدة، التي بدأت التعاطي منذ أن كان عمرها 15 سنة، ليست الوحيدة التي راودتها الرغبة في الانتحار، بل إن كل ضحايا مخدر الهيروين الذين تحدثوا إلى «اليوم 24 «أكدوا أنهم أقدموا على محاولات انتحار فاشلة، بعد انسداد الأفق أمامهم في لحظات صفاء مع أنفسهم، وقرارهم تغيير حياتهم من الوضعية المريرة والمذلة، حسب تعبيرهم، إلى حياة طبيعية يشعرون فيها بإنسانيتهم، ويودعون حياة الجحيم التي حرمتهم من تحقيق أحلامهم بالحصول على عمل محترم وبيت وإنشاء أسرة، مثل سائر الناس. أما أيمن، فتحدث عن صعوبات الخروج من دائرة الإدمان إلى الوضع الطبيعي، مؤكدا أنه أقدم على بيع ممتلكاته العقارية، وتخلص من الأموال التي راكمها خلال السنوات الماضية في التجارة، من أجل أن يعرض نفسه للإفلاس حتى لا يجد مالا يشتري به «الهيروين»، إلا أن أعراض انسحابه من الجسم كانت تدفعه إلى الحصول على المال بأي طريقة من أجل اقتناء كميات أخرى، «وهكذا أظل أدور في حلقة مغلقة.. الإقلاع ثم الانتكاسة، إلى أن بدأت في اتباع برنامج العلاج عبر تناول دواء الميثادون، في مركز بئر الشفاء».
رواج داخل السجون!
أرقام متعاطيي المخدرات الصلبة في طنجة، وخريطة انتشار بيعها واستهلاكها في الأحياء، كما جاء في الشهادات التي استمعت إليها «اليوم 24 ،«تثير كثيرا من التساؤلات حول الإجراءات المتخذة لمحاربة هذه الآفة الفتاكة، إذ إن المعطيات، التيجاءت على لسان مصادر «اليوم 24 ،«تعطي الانطباع وكأن عملية ترويج وبيع المخدرات الصلبة بالتقسيط منفلتة عن السيطرة الأمنية، خصوصا أنهم ذكروا عددا من أسماء المروجين بالاسم واللقب، وحددوا أماكن نشاطهم. أكثر من ذلك، فإن بعض المدمنين من ذوي السوابق العدلية كشفوا أن الكوكايين والهيروين يعرفان رواجا كبيرا داخل السجن المحلي بطنجة، وأن المدمنين داخل السجن يحصلون على «الغبرة» مقابل «قفف المؤونة»، أو يقومون بأشغال الكنس وغسل الملابس لفائدة بعض المساجين الميسورين، لكي يجمعوا المبالغ الكافية للحصول على جرعات المخدرات، التي تتضاعف أسعارها خلف جدران الزنازين، مقارنة بأسعارها في الخارج.
وفي هذا الصدد تساءل أيمن: «إذا كان مفهوما أن المخدرات تدخل سرا إلى البلاد، فكيف تبقى خارج مراقبة الدولة في حين أن مروجيها يمارسون أنشطتهم بكامل الحرية؟ مثل ما هو الحال في أحياء ’’أرض الدولة‘‘ و’’امحباكو‘‘ و’’مبروك‘‘ و’’بن ديبان‘‘، ’’بنحساين» و’’المصلى‘‘ و’’بني ايدر‘‘ و’’المدينة القديمة‘‘، حيث يحمل الباعة بالتقسيط أكياسا مملوءة بـ’’السخرة‘‘، أمام مرأى ومسمع الجميع، ثم يفرون إلى جحورهم عندما يشعرون بدوريات الأمن، وحتى في حال اعتقالهم يستمرون في مزاولة أنشطتهم، ويعاملون كالملوك داخل جدران السجون». المقاربة الأمنية غير كافية في الوقت الذي يوجه بعض المتتبعين اللوم إلى السلطات الأمنية بخصوص استفحال ظاهرة الإدمان على المخدرات القوية، وتغلغلها في أوساط شريحة الشباب والقاصرين، فإن الصورة لا تقتصر على هذا الجانب، وفق ما أوضحه مصدر أمني لـ«اليوم 24،« مشددا على أن المقاربة الأمنية وحدها غير كافية، إذا لم تواكبها سياسة عمومية توفر فرص الشغل للشباب، وتفتح الآفاق للأجيال الصاعدة، مضيفا أن المدمن حتى وإن كانت لديه الإرادة للإقلاع عن تعاطي المخدرات، فإنه لا يجد الفضاءات الاجتماعية التي تحتضنه وتواكبه، خصوصا أن أغلب الأسر تطرد أبناءها عندما تعلم بوقوعهم في شرك الإدمان.
وأضاف المصدر نفسه أن المعطيات الميدانية تشير إلى أن أغلب الموقوفين بسبب استهلاك وتعاطي المخدرات من ذوي السوابق العدلية، ما يعني أن أغلب المدمنين يقعون في حال العود، ولا تكون العقوبة السجنية كافية لردعهم أو إدماجهم في المجتمع، ويضيف المتحدث: «ُنفاجأ أحيانا بظروف التخفيف التي يستفيد منها مروجون كبار في الأحكام القضائية، خاصة أن بعضهم تكون ضده عشرات الشكايات من المواطنين». مؤسسات تعليمية تتسلح بالكاميرات أمام تزايد أخطار انتقال عدوى تعاطي واستهلاك المخدرات، خاصة أن مروجي المخدرات يستهدفون جميع الأماكن بما فيها المدارس، فإن إدارات بعض المؤسسات التعليمية اتخذت إجراءات وقائية لحماية تلاميذها ومحيطها المدرسي من مخاطر هذه الآفة الفتاكة، مثلما هو الحال في ثانوية عبد الخالق الطريس التي تم تزويدها بـ19 كاميرا مراقبة لرصد حركية التلاميذ والمارة بمحيط المؤسسة، في اتجاهاتها الأربعة، وذلك تفاديا لتكرار سيناريو ضبط تلميذ يروج أصنافا من المخدرات القوية داخلها، والذي اتخذت الإدارة في حقه الإجراءات اللازمة.
وحسب ما أكده مدير الثانوية، محمد شقور، فإن التلميذ المذكور الذي ضبطت بحوزته مخدرات صلبة، اتضح لاحقا، حسب ما جاء في اعترافاته، أنه كان يتم تسخيره من طرف تجار هذه البضاعة الفتاكة من أجل ترويجها في أوساط التلاميذ القاصرين، مؤكدا أن تلك الحالة كانت الوحيدة التي عرفتها ثانوية عبد الخالق الطريس، وأنها حالة استثنائية وليست ظاهرة مستشرية في أوساط تلاميذ المؤسسة، خاصة أنها غير كائنة بالمناطق المصنفة «بؤرا سوداء» في مدينة طنجة.
عبد الرحيم بلشقار




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://alboughaznews.com/news4270.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار

    أكتب الرقم الذي تراه امامك :