page.php?8
page.php?8

ماذا وراء إلتحاق الحسيمة عن الناظور بجهة طنجة

أخيرا حسم الناطق الرسمي باسم الحكومة مصطفى الخلفي الجدل حول التقسيم الجهوي بعد أن استأثر مقترح الحاق الحسيمة بجهة طنجة تطوان بجدل واسع، وصل الى حد توقيع عرائض وعرائض مضادة.
القصة بدأت حينما تم الكشف عن المشروع الجهوي الذي تقدمت به لجنة عزيمان، و طلبت وزارة الداخلية من الأحزاب السياسية مدها بأخر المقترحات والملاحظات على المشروع، حينها طلعت علينا احدى الجرائد الوطنية بحوار مع محمد بودرا رئيس جهة الحسيمة –تازة-تاونات والنائب البرلماني عن حزب البام، يقول فيه أن أي تقسيم جهوي لا يراعي تجميع الريف في جهة واحدة سيتسبب في اندلاع انتفاضة عارمة في الريف؟ بعدها بأيام ستطلع الأمانة الجهوية لحزب الأصالة والمعاصرة بجهة طنجة تطوان ببلاغ تطالب فيه بإلحاق الحسيمة بجهة طنجة تطوان بعد أن كانت لجنة عزيمان قد وضعتها مع الناظور ووجدة وبركان في جهة واحدة سمتها جهة الريف والشرق…
بعدها بأيام قليلة ستتحرك آلة الجرار لتستنفر كل الجمعيات والمنتديات والنوادي الرياضية التابعة له للمطالبة بإلحاق الحسيمة بطنجة تطوان، بل ثمة جمعيات وهيئات كانت قد دب في صفوفها الشلل ولم يسمع عنها منذ شهور حتى نزلت ببلاغات تدافع عن هذا المطلب..
من جهة أخرى تجند حزب الاستقلال والبيجدي ومعهم الحركة الشعبية ووقع برلمانيون من المنطقة تابعون لهذه الأحزاب عريضة تطالب بإبقاء الحسيمة في جهة الشرق الريف، وهناك من طالب بخلق جهة تجمع مناطق الريف بين الناظور والحسيمة وتازة…
مرت أيام وأسابيع والاستقطاب على أشده بين من يطالب بالحاق الحسيمة بطنجة ومن يطالب بإبقائها مع الشرق أو خلق جهة خاصة بالريف، أغلب أسباب ودواعي هذا الاستقطاب لم يكن منبعه استحضار التاريخ ولا الجغرافيا ولا المصلحة الجماعية… بل كان الحسابات الانتخابية هي الحاضرة بقوة سواء لدى البام ولا لدى الاستقلال والبيجيدي، وتم تقزيم النقاش بين :هل أنت مع البام أم مع البيجيدي والاستقلال، رغم أن منطق الممارسة السياسية في مغرب اليوم يقول أن كلا الطرفين وجهان لعملة واحدة، فليس السؤال هل أنت مع مقترح البيجيدي أم مع مقترح البام، بل السؤال الأهم ماذا وراء المقترحين؟
الغريب في القصة أن البام نفسه لم يكن إلى عهد قريب هذا مطلبه، والدليل أن بودرا ظل إلى أخر وقت وهو يدافع عن جهة الريف، ولم يبلع لسانه ويسكت عن تهديده بالانتفاضة إلاّ بعد صدور بلاغ البام في طنجة حول الموضوع وتبين أنه مقترح الحزب مركزيا ايضا، وبودرا معروف عنه الخفة الزائدة، هو في دفاعه عن جهة للريف كان يعتقد أنه يجتهد في ترجمة ما كان يسمعه من قادة البام الريفين في الرباط، ولم يكن على علم بعد بالمشروع الامني لمحيط القصر الملكي، ولمحمد بودرا سوابق في هذا الشأن، فقد جرته يوما خفته الزائدة إلى اعلان استقالته من ترأس بلدية الحسيمة احتجاجا على الأحداث التي وقعت يوم 20 فبراير 2011 بالحسيمة، وما لبث أن تراجع بعد أن تلقى توبيخا شديد اللهجة. كما أن جل أعضاء البام أنفسهم لم يكن لهم يوما هذا التصور من قبل، فما الذي حدث؟
إن مقترح الحاق الحسيمة بطنجة تطوان تم تنزيله لهدفين اثنين:
هدف انتخابي سياسي، هدف امني ذو بعد استراتيجي
الهدف الانتخابي هو أن حزب البام وضع عيناه على ترأس جهة طنجة تطوان خلال الانتخابات المقبلة، وثمة حديث عن ترشيح حكيم بنشماش من الآن ليترأس الجهة، لكن ما قد يعيق هذا الهدف هو أن البام ليس له حضور قوي في مدينة تطوان، في طنجة قد لا يكون له مشكل لكن مع تطوان والمناطق التابعة قد يعرض هدفه لبعض التعثر، وكان مقترح استقدام الحسيمة إلى جهة طنجة تطوان منفذا مهما ليحصل البام على الاغلبية في هذه الجهة بالنظر إلى حضوره القوي على الخريطة الانتخابية بالحسيمة، وعليه فإن إلحاق الحسيمة بطنجة هو دفعة قوية ليتمكن بنشماش التربع على رأس هذه الجهة.
هذا الامر فهمته الاحزاب السياسية الاخرى جيدا وحاولت عرقلته بشتى الوسائل، وعندما قلنا أعلاه ان كلا الطرفين وجهين لعملة واحدة، كنا نعني أن رفض البيجيدي والاستقلال لهذا المقترح ليس منبعه مراعاة المصلحة الجماعية ولا التاريخ ولا… بل كان هو محاولة عرقلة مشروع البام الانتخابي.. الصراع بين البام والبيجيدي والاستقلال كان صراعا انتخابويا على ارضية التقسيم الجهوي..
الهدف الأمني الذي من أجله تم الحاق الحسيمة بطنجة تطوان، أو الأصح هنا نتحدث عن فصل الحسيمة عن الناظور، المنطق الامني كان يهمه فصل الحسيمة عن الناظور ولا يهم أين سيتواجدان من بعد، وفقط لأن المنطق الامني التقى مع الرهان الانتخابي للبام فكان الحاق الحسيمة بطنجة-تطوان تحديدا وليس جهة أخرى، أما الأساس في العملية فهو فصل الحسيمة على الناظور، لكن لماذا هذا الفصل؟
دائما في مثل هذه الأمور يتعين على الواحد أن يسترشد بالذاكرة وأن يبحث في التاريخ ففيه يمكن أن نفهم العديد من القرارات السياسية الآنية.
قبل ذلك علينا أن نؤكد أن المقصود بالمنطق الامني هنا، هو المنطق المتحكم في الملف الامني بالمغرب، والذي يسهر عليه رجال هم في محيط القصر الملكي، وتحديدا المستشار القوي فؤاد عالي الهمة، ولسنا بحاجة إلى ممحاكاة طويلة لنعرف أن وزارة الداخلية ولا الحكومة نفسها مجرد واجهة تلعب في المتاح فقط أما القضايا الاستراتيجية فإنها لم تبرح أسوار القصر الملكي.
إن فصل الحسيمة عن الناظور أملاه منطق أمني جديد يعيد صياغة المنطقة وفق تحكّم جديد، ويروم أساسا العبث بالتاريخ وتكسير شوكته من أجل فرض مصالحة على المقاس والتسويق لتاريخ جديد ينسخ تاريخ المشاكسة والتمرد على النظام المغربي المركزي..
أضف إلى ذلك معطى اخر، هو بالمنطق الامني يشكل خطرا كبيراً على تحكم الدولة، هذا المعطى عاينه سكان الحسيمة ابان زلزال 2004، ومازال لحد الآن يدور على الالسنة، ويشكل مصدر فخر واعتزاز، المعطى هو أن خلال الزلزال وبعده مباشرة بساعات وإن لم أقل بدقائق كانت مناطق الحسيمة تتقاطر عليها المساعدات من ساكنة الناظور، كان ثمة أقصى درجات التضامن ونكران الذات والايثار…
كلنا نتذكر ما روته قصاصات الاخبار عن انزال الوزير الاول انذاك ادريس جطو من الطائرة التي كانت ستقلع الى الحسيمة، وتم انزال جطو حتى يكون الملك هو أول مسؤول يصل المنطقة…
لكن هل كان بامكانهم وقف ساكنة الناظور من تقديم المساعدات حتى يشرع القائد أو العامل في ذلك، طبعا لم يكن ممكنا، فكانت ساكنة الناظور هي من أعانت فعلا المتضررين من الزلزال، وظهر تدخل الدولة امامهم لاشيء، فثمة مناطق لم تصلها سيارات الدولة لكن وصلتها وبل كانت تصلها بشكل شبه يومي سيارات ساكنة الناظور محملة بالمساعدات…
ظل الوضع هكذا لمدة تقارب الشهر، حينها اعتمد أغلب ساكنة الحسيمة في مأكلهم على ما جاد به اخوانهم من الناظور، طبعا وصلت مساعدات من كل المدن المغربية، لكنها ليست بحجم المساعدات القادمة من الناظور، بل ثمة العديد من المساعدات التي وصلت من مختلف مناطق المغرب تم حجزها في المطار حتى يتمكن المسؤولون من الاشراف على توزيعها، فتعرضت أغلب المواد الغذائية للتلف وتم رميها والمسؤولون لم يتمكنوا بعد من توزيعها.
الفكرة التي ترسخت لدى الدولة بناءً على هذا المعطى هو أن منطق التآزر والتضامن مازال راسخا لدى الريفين، وهو ما يشكل قنبلة موقوتة قد تنفجر وفق صيرورة الإحداث، لذلك فكرت بجدية من أجل نزع هذا التآزر عبر فصل الإقليمين عن بعضهما، ومحاولة خلق صراع بينهما من خلال الحاق هذا بتلك الجهة وذاك بالجهة الأخرى..
المشروع الجهوي الجديد بالنسبة إلينا لم يخرج عن سابقيه، مشروع تحكم فيه الهاجس الأمني إلى أبعد حدود، والدليل أن من وضع التأشيرة النهائية عليه هو المحيط المكلف بالملف الامني في القصر الملكي، وإلا فإنه من الحماقة مثلا أن نتصور جهة فيها طنجة دون تطوان، او فيها وجدة دون بركان، او فيها الرباط دون سلا أو … لكن، هاهم يفصلون الحسيمة عن الناظور، فثمة مناطق في المغرب لا يعقل الفصل بينها وهي التي تتمتع بجذور تاريخية وعلاقات ضاربة في عمق التاريخ والجغرافيا بغير تدخل فأس منطق التحكم الامني..

محمد المساوي




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://alboughaznews.com/news372.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار

    أكتب الرقم الذي تراه امامك :