page.php?8
page.php?8

رمضان فاجأنا وعاد مرة أخرى..!

فعلها رمضان وعاد مرة أخرى. كثيرون لا يتمنون أن يعود لكنه يفعل، لذلك يتظاهرون بأن هذا الشهر فاجأهم وطلع عليهم الهلال مثل جني خرج من المصباح ويستغربون كيف عاد بهذه السرعة، لذلك يسرعون إلى الأسواق لملء الثلاجات والمطابخ بكل أشكال الأكل.
قبل حوالي عشر سنوات أفرج عرّاف فرنسي عن نبوءة غريبة قالت إن المغرب مهدد بأمواج “تسونامي” عملاقة. يومها صدقه كثيرون وسافر مغاربة إلى مناطق الأطلس في وسط البلاد حتى تعصمهم الجبال من الماء، لكن رغم ذلك فإن ذلك “التسونامي” المزعوم لم يخلق في الناس هلع الجوع والرغبة في كنز الماء والمؤونة، وحتى عندما يمر المغرب بفترات جفاف قاسية فإن الناس لا يغزون الأسواق، لكن حكايتهم مع رمضان حكاية ويا لها من حكاية.
أول ما يحس به الكثيرون عند اقتراب رمضان هو الخوف، الخوف من أشياء كثيرة، الخوف من الجوع ومن العطش، الخوف من الصهد وطول المسافة بين آذاني الفجر والمغرب، وعندما يبدأ رمضان ويجدون كل شيء أمامهم فإنهم يخافون من شيء آخر، وهو الخوف من عدم الشبع، وعندما يشبعون فإنهم يخافون من أن يداهمهم الجوع رغم الشبع، فيستمرون في الأكل.
يقول علماء الاجتماع إن الخوف من شيء هو أسوأ من ذلك الشيء. فالخوف من الموت أسوأ من الموت نفسه لأن الخائف يغير حياته بالمرة حتى لا يموت. وهناك كثيرون اندست الوساوس القهرية إلى عقولهم لأنهم يخافون من أن الموت يترصدهم في كل جانب، وأحيانا يتجنبون الخروج حتى من منازلهم، وهناك شخصيات معروفة ومشاهير كانوا لا يركبون الطائرات لأنهم يتخوفون من أن تسقط بهم.
نحن نفعل مع رمضان الشيء نفسه، نخاف أن نجوع فتتحول الثلاجات والمطابخ إلى مخازن للمواد الغذائية، نصْفها على الأقل يذهب نحو براميل القمامة. ورغم أننا نفهم منذ الأيام الأولى لرمضان أن العبرة ليست في الأكل، إلا أننا نستمر في تلك الممارسات إلى آخر يوم فيه، فالخوف من الجوع يسكن عقولنا وليس بطوننا، لذلك من الطبيعي أن نستمر في الخوف رغم أن بطوننا ممتلئة عن آخرها.
علماء التغذية يقولون إن الحكمة من رمضان هو أن تظل المعدة فارغة بشكل كبير حتى تتخلص من السموم التي امتلأت بها طوال العام، ونحن نملأ المعدة في رمضان بسموم لا يكفي عام كامل لإزالتها.
لكن السموم لا توجد في البطن فقط، إنها توجد في المخ أيضا، لذلك جاء رمضان للقضاء عليها، ولكي يرتاح الدماغ من سموم عام كامل وضغط 324 يوما من الضغط الرهيب والتهافت وراء تفاهات الحياة الزائلة فإن رمضان جاء لكي يدفع بأدمغتنا قليلا نحو الراحة، نحو الأشياء غير الزائلة، نحو عمق الحياة وروحانية الكينونة، لأنه بقدر ما تحتاج البطن إلى استراحة، فإن المخ قد يحتاج إلى استراحة أكبر.
لكن المثير أن أدمغتنا خلال رمضان تشتغل أكثر مما تشتغل طوال السنة، فتتحول إلى ما يشبه عقل عبقري الرياضيات “جون ناش”، فتشتغل 24 ساعة في اليوم، تفكر في وجبات الفطور والعشاء والسحور وما بينها. تفكر في رهبة الجوع والعطش وتنشغل بـ”تاحيماريت” المستمرة على الطرقات من طلوع الشمس إلى مغربها. الأدمغة التي كانت يجب أن ترتاح في رمضان تعاني أكثر خلال هذا الشهر. الناس في رمضان يكادون يفترسون بعضهم البعض ويتوعدون بعضهم بالقتل ويطلقون على بعضهم أسماء كل أنواع الحيوانات، حتى المنقرضة منها. الرؤوس التي منحها الله سبحانه نعمة راحة روحانية جميلة في شهر الغفران تسخن في رمضان أكثر من اللازم وتشتعل مثل علب وقيد وتحترق.
في رمضان نسمع كثير عبارات مثل “والله وما كنتْش صايْم حْتى نقْتل د… مّوك”، فنعرف أنه لو طال رمضان قليلا فقد ننقرض لأن الناس سيصفون بعضهم بعضا، والحمد لله أن رمضان لا يدوم سوى أقل من 30 يوما.
يأتي رمضان فلا يكتفي بعض الناس بافتراسه حيا، بل يريدون أيضا أن يخرجوا إلى الشارع ويفطروا لأنهم لا يؤمنون به أصلا. لو أن كل مغربي لا يؤمن بشيء يخرج إلى الشارع ليثبت ذلك فسوف نصل إلى مصيبة.
في رمضان يعتكف الكثير من الناس أمام التلفزيون حتى يقربهم أكثر من الجنة. هذا العام هناك مسلسلات و”سيتْكومات” ستبث مباشرة بعد آذان المغرب، وهي من إنتاج شركة “أليان” للإنتاج، لصاحبها المومس السينمائي نبيل عيوش. هذا هو تلفزيون فيصل العرايْشي، الساكن في مكانه كما سكن الفرعون في قصره، لا أحد يزحزحه غير قدر من السماء.
ها هو رمضان فاجأنا من جديد وعاد، وليته ما عاد، لأنه حينما يعود يصاب بالصدمة. هو يذهب ويعود، ونحن في تخلفنا راكدون لا نذهب إلى أي مكان.

عبدالله الدامون




نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://alboughaznews.com/news1374.html
نشر الخبر : Administrator
عدد المشاهدات
عدد التعليقات : 0
أرسل لأحد ما طباعة الصفحة
أضف تعليقك
    تعليقات الزوار

    أكتب الرقم الذي تراه امامك :